في يريفان، حيث تهيمن أحجار "الطفة" الوردية للعمارة الكلاسيكية الجديدة السوفيتية على الأفق، يبرز المسجد الأزرق (كابويت مزكيت) كشذوذ معماري لافت. يقع هذا المجمع الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر في 12 شارع ميسروب ماشدوتس، ويمثل النصب الإسلامي الوحيد العامل في أرمينيا. ومع ذلك، فهو أكثر من مجرد بقايا دينية؛ إنه "طرس" تاريخي نجا من خانية يريفان، والإمبراطورية الروسية، والاتحاد السوفيتي، ليصبح أداة حديثة للدبلوماسية بين يريفان وطهران.
بينما كانت خانية يريفان في أوائل القرن التاسع عشر تفتخر بثمانية مساجد جامعة، فإن المسجد الأزرق هو الناجي الوحيد. لم يتم تأمين الحفاظ عليه من قبل سلطة دينية، بل من قبل المثقفين الأرمن الذين أعادوا توظيف الموقع كملاذ للفنون خلال الحقبة السوفيتية، مما حمى الفضاء المقدس بغطاء من المنفعة الثقافية.
أولاً: النشأة الجيوسياسية: خانية يريفان
تكمن أصول المسجد في هيكل السلطة المتصدع في جنوب القوقاز في منتصف القرن الثامن عشر. بعد اغتيال نادر شاه أفشار في عام 1747، انقسمت المنطقة إلى خانات شبه مستقلة. كلف حسين علي خان القاجاري، حاكم يريفان، ببناء المسجد لتأكيد الشرعية السياسية وإعادة بناء البنية التحتية للمدينة بعد الزلزال المدمر عام 1679.
على عكس مساجد القلاع المخصصة للنخبة، تم بناء المسجد الأزرق داخل المدينة (الشهـر). عمل كمرساة مدنية بجوار البازار والحمام، مما دمج الصلاة في الحياة التجارية ليريفان القديمة.
ثانياً: المورفولوجيا المعمارية: هجين صفوي-قاجاري
يجسد الهيكل الانتقال من المثل الصفوية إلى الطراز القاجاري المحلي. يفتقر إلى الحجم الهائل لمساجد أصفهان، لكنه يقدم منطقاً مكانياً راقياً ومنطوياً على الداخل.
مخطط الإيوانات الأربعة
يتمحور المجمع حول فناء مركزي بمساحة 71 × 47 متراً. هذا "الفناء الجنة" (تشارباغ) محاط بـ 28 خلية مقببة (حجرة) كانت تعمل كمدرسة لاهوتية، مما يخلق مناخاً مصغراً من الصمت بعيداً عن صخب الشارع.
القبة الزرقاء
يستمد المسجد اسمه من قبته البصلية. مغطاة ببلاط الخزف الكوبالتي والفيروزي واللازوردي، تتبع القبة المظهر الجانبي الفارسي — تنتفخ عند القاعدة قبل أن تضيق — وهو ما يميزها عن الطراز العثماني نصف الكروي.
المئذنة
بارتفاع 24 متراً، تتميز المئذنة الوحيدة بأنماط هندسية من الطوب المزجج. تميل المئذنة بمقدار 7 درجات بسبب النشاط الزلزالي واستقرار التربة، وهي سمة هيكلية أكدتها التقييمات الهندسية.


جدل "المآذن الأربع"
هناك نقاش مستمر حول العدد الأصلي للمآذن. تدعي بعض المصادر الأذربيجانية أن المسجد كان يحتوي في الأصل على أربع مآذن، دمرت ثلاث منها. ومع ذلك، فإن التحليل المعماري والخرائط المساحية من القرن التاسع عشر (بما في ذلك مسوحات لينش في تسعينيات القرن التاسع عشر) تظهر باستمرار مئذنة واحدة. كان تكوين "المآذن الأربع" مخصصاً للمساجد الإمبراطورية، بينما تميزت المساجد الإقليمية في خانية يريفان عادة بمئذنة واحدة أو اثنتين.
ثالثاً: البقاء عبر الإمبراطوريات
العصر الإمبراطوري الروسي (1827–1917)
بعد معاهدة تركمانجاي عام 1828، تراجعت النخبة المسلمة إلى إيران. ومع ذلك، سجلت الإدارة الروسية المسجد الأزرق كأكبر مساجد المدينة. أصبح محط اهتمام الرحالة الأوروبيين مثل إتش. إف. بي. لينش، الذي أعجب بلوحاته الجدارية الزهرية، وخضع لترميمات كبيرة في عامي 1887 و1907 بتمويل من التجار المحليين.
الفترة السوفيتية (1920–1991)
رفع المخطط الرئيسي ليريفان الذي وضعه ألكسندر تامانيان عام 1924 مستوى شارع ماشدوتس بمقدار مترين، مما أدى إلى انخفاض المسجد تحت مستوى الأرض. وبينما هُدمت مساجد أخرى، تم إنقاذ المسجد الأزرق بفضل تدخل مثقفين مثل يغيشي تشارنتس. جادلوا بقيمته كـ "عمارة شرقية"، وأعادوا استخدام الفناء كمقهى وصالون للفنانين.
لضمان بقائه، تم تكييف المبنى لأدوار علمانية مختلفة:
- الثلاثينيات: متحف مناهضة الدين.
- الحرب العالمية الثانية: متحف مناهضة الفاشية.
- أواخر العهد السوفيتي: قبة فلكية (استخدام القبة لعرض الكون) ومتحف تاريخ يريفان.


رابعاً: الجيوسياسة المعاصرة (1991–الآن)
مع انهيار الاتحاد السوفيتي، اكتسب المسجد أهمية جديدة كجسر بين أرمينيا المستقلة وإيران. في عام 1995، تم نقل الحقوق إلى الحكومة الإيرانية، بتمويل عملية ترميم بقيمة مليون دولار استبدلت الواجهات المتآكلة ببلاط أصفهاني أصلي.
مانعة صواعق جيوسياسية
لا يزال الموقع نقطة محورية لسياسات الهوية. تصنف أرمينيا وإيران المسجد على أنه "فارسي"، مما يعزز علاقاتهما الدبلوماسية. في المقابل، تعتبره أذربيجان تراثاً "أذربيجانياً"، معتبرة أن التسمية "الفارسية" تمحو تاريخ خانية يريفان التركية.
تم تسليط الضوء على المخاطر في عام 2025 عندما أصدرت السفارة الأمريكية في يريفان تنبيهات أمنية بشأن المواقع التي لها "ارتباط حكومي إيراني معروف"، وسمت المسجد تحديداً. في الوقت نفسه، طلبت طهران مزيداً من الترميمات لترقية الموقع إلى مركز معلومات سياحي، مما يعمق بصمتها الناعمة في القوقاز.
الخاتمة
يقف المسجد الأزرق في يريفان كحارس وحيد. تغطي قبته اللازوردية مساحة كانت قاعة صلاة، ومتحفاً للإلحاد، وجيباً دبلوماسياً. إنه يتحدى السرديات الثنائية: مسجد على الطراز الفارسي بناه خان تركي في عاصمة مسيحية، وحافظ عليه شعراء علمانيون. وبينما يتنقل جنوب القوقاز عبر حقائق جيوسياسية جديدة، يظل المسجد مقياساً ديناميكياً للعلاقات بين الثقافات.
الملحق: التسلسل الزمني للمسجد الأزرق
| الفترة | السنة | الحدث |
|---|---|---|
| خانية يريفان | 1766 | اكتمال المسجد (1179 هـ). |
| الإمبراطورية الروسية | 1827 | الفتح الروسي؛ تسجيل المسجد كأكبر مساجد المدينة. |
| الاتحاد السوفيتي | الثلاثينيات | تحويله إلى متحف لمناهضة الدين؛ إنقاذه بواسطة تشارنتس. |
| الاستقلال | 1995 | بدء الترميم (ميزانية 1 مليون دولار) من قبل الحكومة الإيرانية. |
| العصر الحديث | 2025 | السفارة الأمريكية تصدر تحذيراً أمنياً؛ إيران تطلب مرحلة ترميم جديدة. |
